الثلاثاء، 12 مارس 2013

قبل ان تغادرنا مأساة كنيسة سيدة النجاة

احمد هاشم الحبوبي


بقلم احمد هاشم الحبوبي
مقال منشور بتاريخ 08/كانون الاول/2010
قبل ان يباغتنا الإرهابيون بمأساة جديدة اشد وقعا تـُنْسِينا مأساة كنيسة النجاة وتفجيرات اليوم الذي تلاها، وهو ما درج عليه طوال السنوات الماضية، أجدُ من المفيد ان نراجع تفاصيل الحادثة كما رواها الناجون منها. فقد أعانونا على فهم ما جرى بالضبط بعد ان وضعتنا الرواية الحكومية في حيرة كبيرة كما هو معتاد. حيث أفاد الناجون بأن المهاجمين ما كانوا مهتمين أبدا في الحفاظ على أرواح رهائنهم، وأنهم باشروا بقتلهم منذ اللحظة الأولى التي سيطروا فيها على بناية الكنيسة، ودون ان ينتظروا رداً على مطالبهم. وهذا يدلل على ان المطالب ليست أكثر من كذبة "شرعية" حاولوا من خلالها التغطية على جريمتهم التي استنكرها العالم اجمع بكل أطيافه.
ان هذه ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها الإرهابيون بيتا من بيوت الله، فقد فجروا عدة عشرات، وربما مئات، من المساجد والحسينيات قبلها، خلفت عشرات الآلاف من الضحايا، ولكنهم [الإرهابيين] اختاروا إخراجا جديدا لجريمتهم في كنيسة النجاة كان ذو تأثير صادم على جميع الأصعدة.
 والحديث عن استهداف الشيعة أو المسيحيين لأسباب دينية أمر لا يمت للواقع بصلة. فها هي إيران والسعودية ولبنان والبحرين والكويت، التي نتمنى كل السلامة لشعوبها، تضم عشرات الملايين من الشيعة ولكنهم لم يُسْتَهْدَفوا يوماً. ويسري هذا أيضا على المسيحيين، فهم بالملايين في سوريا ولبنان ومصر، ونتمنى لهم كل السلامة أيضا. ولكن القاعدة لم تستهدفهم بالخصوص في تلك الدول.
امّا في العراق، فانّ استهداف مكون بذاته ليس أكثر من محاولة ذكية لاستهداف السلم الأهلي الهش الذي لم تسمح له الحياة السياسية المضطربة في التعافي من الأضرار الاجتماعية التي خلفتها "شبه الحرب الأهلية". وأثبتت أحداث الأيام ان تنظيم القاعدة ليس منشغلا بمكونٍ ما دون غيره، فالجميع مُسْتَهْدَفون. وقد تعرض اليزيديون والشبك والتركمان لهجمات لا تقل وحشية وقسوة عما تعرض له المسيحيين، دون ان نغفل ان المسلمين الشيعة والمسيحيين لهم الأولوية دوما على قائمة أهداف تنظيم القاعدة.
 وقد قرأتُ بإمعان مقالاتٍ كتبها مسيحيون عراقيون  استنكروا فيها "الصمت الإسلامي" إزاء ما اقترفه الإرهابيون، واستغربوا كيف ان حدثا جلل كهذا الحدث لم يستفز مشاعر أئمة المسلمين ويحفزهم للتنديد بمنفذيه بصوت عال، والى أين سيقود هذا التغاضي عن الجرائم التي تُرْتَكَبُ بـِاسمِ الإسلام. واهتم بعض من الكتاب في البحث بين ثنايا القران الكريم لاستخراج الآيات التي تحض على قتل من ليس على دين الإسلام أو اخذ الجزية منه إذا بقي على دينه المسيحي أو اليهودي.
 كشف تحقيق أجرته "البي بي سي" عن ان أكثر من 40 مدرسة وناديا سعوديا في بريطانيا تعتمد كتبا مدرسية صادرة عن وزارة التربية السعودية تحرض على الكراهية في بريطانيا. ويبين احد تلك الكتب المدرسية الموجه لتلاميذ دون العاشرة من العمر، ان الذي سيموت وهو غير مؤمن بالإسلام، فسيكون مصيره "الجحيم". ويشرح كتاب آخر عن قوانين الشريعة، وهو موجه للأطفال بعمر أربعة عشر عاما، عقوبة السارق مع مخطط يوضح كيفية قطع يد السارق وقدمه. وكأننا في درس لتعليم الأولاد القصابة البشرية. [ التحقيق موجود في موقع "البي بي سي" الالكتروني بتاريخ 2010-11-24 ]. إذا كان بعض أبناءنا يقرءون "نصوصا من القرون الوسطى"، كما وصفها الباحث الإسلامي أسامة حسن، إلى يومنا هذا وفي بريطانيا بالذات، فلنا ان نتخيل الأفكار التي يلقنوها للأطفال في معاقل التطرف والغلو في الشرق الأوسط.
ان أزمة سوء التفاهم المرتفع بين العالمين الإسلامي والغربي في طريقها للانتقال إلى داخل المجتمع العربي نفسه، لتهدد استقراره من الداخل. ويمكن ملاحظة ذلك بمنتهى الوضوح في المجتمع العراقي، من خلال التباين الحاد في الرؤى بين العراقيين أنفسهم. حيث اختار البعض ان يمارس الهندسة العكسية عبر البحث عن المستفيد من الإرهاب لتحديد الجاني. واستقر رأيهم على ان رئيس الوزراء نوري المالكي هو المستفيد الأول من تلك الجريمة لأنها عَجّلت في حسم ملف تشكيل الحكومة التي ستكون برئاسته. ان وجهة النظر هذه تؤشر ثلاثة أمورٍ، أبرزها هو عمق الأزمة الاجتماعية التي نعاني منها في وطننا، والكسل الفكري ونظرية المؤامرة اللذان يعيقان البعض عن النظر ابعد من أنوفهم، امّا الأمر الثالث فهو إهمال الضحايا اللذين ما زالوا يعانون الأمرّين من الهجمة الشرسة المتواصلة ضدهم في بغداد والموصل. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صدام حسين ومسعود برزاني .. من خلّف ما مات

المقدمة حين يدور حديث أو مقال يدور عن «أبو علي الشيباني» [ 1 ] عادة ما يبادر أحدهم بالاعتراض مستنكرا: ليش [= لماذا] لا تتحدث عن «أبو ثقب...