الجمعة، 31 يناير 2014

الإعلام اللبناني والتصعيد السعودي في لبنان

احمد هاشم الحبوبي
    يُنْظـَرُ إلى التيارات التكفيرية المتشددة الناشطة في لبنان، على أنها الجناح العسكري لحلفاء السعودية في لبنان. وكان الإعلام اللبناني يلمـِّحُ إلى ذلك بين السطور، ثم تبدّل إلى القلم العريض بعد تواتر الاعتداءات الارهابية على المدنيين في لبنان. فالمسألة لم تعد تحتمل أناة أو دبلوماسية أو شك، فالذين يُقتـَلون هم مَدَنيون على يد من يبتغون وجه الله بقتل الابرياء. وهؤلاء لا لبس في هويتهم؛ أنهم التكفيريون الجهاديون الذين يحتضنهم آل سعودي ودخل معهم في حلف مقدّس على إثره تأسست الدولة السعودية، ولن تنفك عراه حتى قيام الساعة.  

لوغو صحيفة الاخبار اللبنانية
    يقول الصحفي اللبناني جان عزيز، أنه يكفي سؤال أي إنسان في منطقتنا أو حتى في العالم لمعرفة «أي فكر في الشرق الأوسط يرفض أي آخر مختلف عنه؟ أي عقيدة دينية سياسية ترفض اسم الآخر وهويته ودينه ومعبده وطقوسه ورموزه؟ أي مذهب رسمي يفرض هدم كل ما هو مقدس لدى الآخر، وتسوية كل شيء بالأرض؟ والأسوأ، أي ظلامية تملك هذا السواد المتخلف، وتملك معه دولة وأموالاً أكثر اسوداداً لتنفيذ كل ما سبق؟». [صحيفة الاخبار اللبنانية، العدد 2184 في 24 كانون الاول 2014].

    وبعد انتحاري «حارة حريك» الاول، الذي تبناه تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)،  كتب  الصحفي محمد نزّال مقالا بعنوان «وحوش الصحراء يضربون في الضاحية» وصف مشاعر الحشود البشرية التي تجمعت في موقع الانفجار. ولندَع نزّال يصف لنا المشهد الذي يتطابق في بيروت ودمشق وبغداد «بعض الناس كانوا يصرخون بوضوح: «الموت لآل سعود». بندر (سلطان رئيس المخابرات السعودية) عندهم هو محرّك تلك المجموعات الشيطانية. في ذاك الشارع الذي لطالما ضجّ، على مدى عقود، بعبارة الموت لإسرائيل، يجد أهله اليوم أنهم باتوا مستهدفين من بعض العرب. هكذا، في نظرهم، يرد عرب الصحراء وآل سعود الجميل للضاحية التي كسرت شوكة إسرائيل ومنها خرج أول انتصار عربي واضح على «عدو الأمة». العدو؟ من العدو، أو الأعداء، الآن؟ لقد خلطت الأوراق. أهل الضاحية يسألون اليوم: «ماذا فعلنا للعالم حتى نستحق هذه المكافأة؟». من أين يأتي كل هذا الحقد؟ ولماذا؟ في الضاحية ستسمع من يقول: ابحث عن مملكة القهر الوهابي ـ السعودي».

    «بعض الغاضبين، وبأصوات عالية، طالبوا حزب الله بوضع حد لـ«تلك الوحوش». بدا واضحاً أن المزاج الشعبي، بعد التفجير، ازداد اقتناعاً بضرورة مواجهة التكفيريين في سوريا ولبنان. ربما كان يظن القاتل أنه بضرب الناس الأبرياء سيجعلهم يخرجون من حزب الله، أو يطلبون منه الخروج من سوريا. ولكن ما يحصل، بعد كل انفجار، هو العكس تماماً. من لم يكن من الناس يعرف الوجه الحقيقي لهؤلاء، قبلاً، بات اليوم يعرف إجرامهم جيداً، وبات ممتنّاً لكل دور يقوم به حزب الله ضدهم».

    «من كان يقف على الحياد، من بين هؤلاء الناس، أو أقله من غير المتحمسين، تجده يصبح أكثر رغبة في مواجهة الذين يقطعون الرؤوس ويأكلون القلوب. يُحكى كثيراً، في الآونة الأخيرة، عن أفواج من الشباب الذين يطرقون باب حزب الله للتطوع لديه في قتال هؤلاء. لن يكون صعباً على أحد أن يستشف هذه الحالة من داخل بيئة الضاحية (الجنوبية)».

    وفي دعوة للانتقام عبر استهداف السعودية مباشرة، ينقل محمد نزّال همسة لأحد الحضور بأن «لا شيء سيوقف هذا المسلسل إن لم تُدوّ الانفجارات في قصور آل سعود»، في دعوة للثأر لدماء المدنيين الابرياء التي تسيل بمال سعودي وفتوى سعودية وإرادة آل سعودية. [انتهى الاقتباس من مقال الصحفي محمد نزّال في صحيفة الاخبار اللبنانية، العدد 2189 في 03 كانون الثاني 2014].

    ويرى الصحفي اللبناني إبراهيم الامين أن «العقل المجنون الذي يتحكم بمن يقود القرار في الرياض أعاد الاعتبار الى نظرية «التحالف مع الشيطان في وجه العدو الأول اليوم، وهو إيران وحلفاؤها». هذا العقل المجنون مهتم، فعلاً، بأن يسيطر على كل ما يمتّ بصلة لهذا التنظيم، لا للتخلص منه، بل لاستخدامه في معارك آل سعود مع البشرية جمعاء. كل دعم وصل سرّاً أو علناً أو مواربة لهذا التنظيم خلال الأعوام العشرة الماضية، كان يتم تحت نظر آل سعود، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو باكستان. وكل إجراء ظهر الى العلن ضد التنظيم في السعودية، إنما كان لردع أعضاء في هذا التنظيم عن القيام بأي عمل ضد العائلة الحاكمة في الجزيرة العربية. وأساساً، جرى تحييد هذه العائلة وحكومتها عن لائحة الأعداء لهذا التنظيم». [صحيفة الاخبار اللبنانية 06 كانون الثاني 2014].

    ارتفعت درجة التوتر في المنطقة إلى اقصاها، إلى حد ان الوفاق العربي، الرسمي والشعبي، سيغيبان لفترة طويلة، حتى لو زالت الاسباب، فلن تعود الأمور إلى ما كانت عليه إلاّ بشقِّ الأنفس. لقد فقد مواطنو الدولة الواحدة، والمدينة الواحدة والحي الواحد احيانا، ثقتهم ببعضهم. فكيف بمواطني دولتين.


    إنّ تركيز الإعلام اللبناني على فضح الدور السعودي في تحريض وتمويل النشاط التكفيريي الإرهابي في لبنان، إنما يحصّن الجبهة اللبنانية الداخلية (القلقة اصلا) من المزيد من التوتر المذهبي «الشيعي - السُنّي»، كما يدافع عن حق كل المدنيين في حياة آمنة. 

الخميس، 30 يناير 2014

لبنان في مرمى نيران التكفيريين


 
السيد حسن نصر الله: يبدو أن هناك في مكان ما ـ ليس من العالم ـ بل من الإقليم، يريد أن يأخذ البلد إلى التفجير. يقلقني أن أقول هذا، يؤسفني أن أقول للبنانيين هذا، لذلك يجب الحذر.

  يبلغ عدد سكان لبنان حوالي أربعة ملايين نسمة (وفقا لتقديرات الامم المتحدة لعام 2008). وهو بلد متنوع بشعبه، حيث يتوزع الشعب اللبناني على 18 طائفة معترف بها. وهو البلد الوحيد في الوطن العربي الذي يتولى رئاسته مسيحيون بحكم عرف دستوري.

    يتداخل لبنان وسوريا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وتاريخيا. قسمت الأزمة السورية اللبنانيين إلى فريقين لا ثالث لهما؛ فريق يؤيد النظام السوري، «8 آذار»، ويشمل الشيعة عموما ونسبة كبيرة من المسيحيين، ابرزهم التيار الوطني الحر بزعامة العماد ميشال عون، وتيار المردة برئاسة سليمان فرنجية. أما الفريق الثاني، «14 آذار»، فمع المعارضة السورية وضد النظام، ويشمل السُنّة، وباقي المسيحيين من مناصري القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع، وحزب الكتائب برئاسة أمين الجميل.

   ورغم هذا الانقسام الحاد؛ تبنت حكومة لبنان مبدأ «النأي بالنفس». كما اتفق اللبنانيون في «إعلان بعبدا» على «تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليميّة والدوليّة وتجنيبه الانعكاسات السلبيّة للتوتّرات والأزمات الإقليميّة، وذلك حرصاً على مصلحته العليا ووحدته الوطنيّة وسلمه الأهلي». و«الحرص تالياً على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانيّة السوريّة وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرّاً أو ممراً أو منطلقاً لتهريب السلاح والمسلحين، ويبقى الحقّ في التضامن الإنساني والتعبير السياسي والإعلامي مكفول تحت سقف الدستور والقانون».

    أما على ارض الواقع؛ فلا نأي بالنفس ولا حياد، فقد انغمس اللبنانيون تماما في «الأزمة السورية»، فتحولت طرابلس وبعض المدن الحدودية اللبنانية إلى معسكرات خلفية لقوات المعارضة السورية المسلحة، منها ترسل المؤن والعتاد، وفيها يعالج جرحى مقاتلي المعارضة. ومنها قوافل المتطوعين اللبنانيين تترى للجهاد مع الفصائل المسلحة ضد «الجيش العربي السوري».

    وبات لبنان أحد منافذ تهريب السلاح والمقاتلين لقوى المعارضة المسلحة،  ففي 27 نيسان 2012، تمكن الجيش اللبناني من ضبط سفينة تدعى «لطف الله - 2»، تحمل العلم السيراليوني، ضمن المياه الاقليمية، قبالة مرفأ «سلعاتا» في منطقة الشمال، ومحملة بثلاثة حاويات تتضمن أسلحة نوعية، تشمل قذائف «آر بي جي»، وصواريخ مضادة للدروع، ومضادة للطائرات، وكمية ضخمة من المتفجرات والأسلحة الرشاشة، كانت في طريقها لقوات المعارضة السورية.

    على الطرف الآخر، جاهرَ «حزب الله» بوقوفه إلى جانب الرئيس بشار الأسد منذ اندلاع الأزمة، مؤكدا احترامه لحق الشعب السوري في التغيير وإلغاء حكم الحزب الواحد، لكن دون المساس بحكم الرئيس الأسد. واكتفى الحزب بالمساندة المعنوية في البداية.

    ومع تنامي حجم ونشاط الفصائل الوهابية التكفيرية وانتشارها على طول الحدود اللبنانية ـ السورية، بما يمثله من تهديد للبنانيين المقيمين في القرى الحدودية، إضافة إلى النزعة التخريبية التي تتملك تلك التنظيمات ازاء المقدسات، من اضرحة ومقامات، ومع ازدياد الضغط على «الجيش العربي السوري» في المنطقة المذكورة، أعلن «حزب الله» عن قراره بالتدخل العسكري المباشر لنصرة الحليف الستراتيجي الذي له برقبة الحزب دَيـْن حان وقت سداده، إضافة لقناعة راسخة لدى الحزب أن شيعة لبنان سيكونون الهدف التالي للتكفيريين.

    اقدم مقاتلون من «لواء الاسلام» التابع لـ«جبهة تحرير سوريا الإسلامية» على نبش قبر الصحابي حجر بن عدي الكندي (الذي اعدم بأمر من معاوية بن أبي سفيان قبل ألف وأربعمائة عام) ونقلوا رفاته إلى جهة مجهولة، لكونه «مركزا للشرك بالله، ولكونه أحد مزارات الشيعة في البلد».

    وتردد ان النبش كان قد حصل قبل الإعلان عنه (في 2 ايار 2013) بمدة طويلة، لكن الخبر سرِّبَ بعد يومين فقط من إعلان السيد حسن نصر الله ان «حزب الله» يريد ان يحمي المزارات الدينية (الشيعية) في سوريا من عبث العابثين. وهذا التسريب حمـّال أوجه؛ فهو من جهة يؤكد مخاوف السيد حسن من ان التكفيريين انما يهدفون لفتنة سُنـِّية ـ شيعية لا تبقي ولا تذر،ومن جهة أخرى يمكن قراءة التسريب على أنه رسالة تحدي من التكفيريين لـ«حزب الله». 

    رغم تأكيد «حزب الله» على تواضع عدد مقاتليه اللذين يحاربون في سوريا، إلا أن دورهم كان فعالا وحاسما غيّر مجرى المعارك الدائرة في منطقة القصير وفي كل سوريا، فانقلب تقهقر وانكسار «الجيش العربي السوري» إلى انتصارات متتالية اسفرت عن استعادته للعديد من المدن والقرى التي فقدها في السابق.

    رفضت فصائل «14 آذار» اللبنانية تدخل «حزب الله» في سوريا واعتبرته إيذانا بإقحام كل لبنان في اتون «الأزمة السورية»، ويردّ الحزب بأنه ليس الفصيل اللبناني الوحيد الذي يحارب في سوريا، وهو إنما يفعل ذلك لدرء وتقليل الأذى الذي يريده التكفيريون بلبنان. وبناء على تلكما الرؤيتين المتباينتين، فسّرَ كلّ طرف الاعتداءات الارهابية التي استهدفت لبنان والتي توزعت كالتالي:

1)   بئر العبد ـ الضاحية الجنوبية (09 تموز 2013)، مركبة مفخخة مركونة على جانب الطريق. لم تتبنـّه جهة ما.
2)   الرويس ـ الضاحية الجنوبية (16 آب 2013)، مركبة مفخخة مركونة على جانب الطريق. لم تتبنـّه جهة ما.
3)   طرابلس (23 آب 2013)، مركبتان مفخختان مركونتان على جانب الطريق. لم تتبنـّه جهة ما.
4)   مبنى السفارة الإيرانية ـ الضاحية الجنوبية (19 تشرين الثاني 2013)، هجوم انتحاري مزدوج، تبناه تنظيم «كتائب عبد الله عزام». 
5)   اغتيال وزير المالية السابق محمد شطح ـ وسط بيروت (27 كانون الأول 2013)، مركبة مفخخة مركونة على جانب الطريق.
6)   حارة حريك ـ الضاحية الجنوبية (2 كانون الثاني 2014)، هجوم انتحاري بمركبة مفخخة، تبناه تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش).
7)   بلدة الهرمل ـ البقاع (16 كانون الثاني 2014)، هجوم انتحاري بمركبة مفخخة، تبناه تنظيم «جبهة النصرة» في لبنان.
8)   حارة حريك ـ الضاحية الجنوبية (21 كانون الثاني)، هجوم انتحاري بمركبة مفخخة، تبناه تنظيم «جبهة النصرة» في لبنان.
9)   عشرات الصواريخ (غراد وكاتيوشا) القادمة من المناطق السورية الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة التي استهدفت مناطق متفرقة من لبنان، وبالذات على المدن والقرى التي تضم اغلبية شيعية. سقطت بعض تلك الصواريخ على مدن سُنـِّية اتّهـِمَ «حزب الله» بإطلاقها.

    استـُهْدِفَ مبنى السفارة الإيرانية ببيروت بتفجير انتحاري مزدوج في 19 تشرين الثاني 2013. وقد اسفر الاعتداء عن مقتل ثلاثة وعشرين شخصا وجرح قرابة مائة وخمسين اخرين. ولولا ان العملية لم تسر حسب المخطط، لكان الضحايا أكثر بكثير، فقد استطاع جهاز أمن السفارة، بقيادة عنصر مخضرم من حزب الله، أن يتدخل بعد الانفجار الأول مما اضطر الانتحاري الثاني لتفجير سيارته خارج السفارة. ومع ذلك، إلى جانب قائد جهاز الأمن المذكور وأربعة آخرين من حراس السفارة، فقد قـُتِل الملحق الثقافي الإيراني.

    اتَّهَمَت إيرانُ اسرائيلَ و«أدواتها» بتنفيذ الاعتداء. كما جددت عزمها على الاستمرار في دعم الحكومة السورية في حربها ضد الإرهاب التكفيري، في اشارة إلى ان المعترضين على الدعم الإيراني لسوريا هم من يقفون وراء هذا التفجير.

    وأدانت السعودية الاعتداء وواست أُسَر الضحايا. وهذا يعدُّ انجازا، فهي لم تكلف نفسها ادانة تفجيرات الضاحية الجنوبية، على العكس من انفجاريْ طرابلس اللذيْن نددت الحكومة السعودية بفاعليها فور وقوعهما.

    تبنّى فصيل تكفيري مرتبط بـ«تنظيم القاعدة» يدعى «كتائب عبد الله عزام» الاعتداء على لسان مرشده الديني، سراج الدين زريقات الذي أعلن ان «غزوة السفارة الإيرانية في بيروت، هي عملية استشهادية مُزدوجة لبطليْن من أبطال أهْل السُنّة في لبنان». وأكد ان العمليات ستستمر «في لبنان حتى يتحقّق مطلبان؛ الأول: سحب عناصر حزب إيران [= حزب الله] من سوريا، والثاني: فكاك أسْرانا من سجون الظُّلم في لبنان». وقد اثبتت تحريات اجهزة الأمن اللبنانية ان منفذي «غزوة السفارة الإيرانية» هما لبناني وفلسطيني (من مخيم عين الحلوة) من صيدا.

    ولـ«كتائب عبد الله عزام» صلات قوية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بالإضافة إلى صِلات مع الخليج، فأميره هو السعودي ماجد الماجد الذي انضم إلى جماعة «فتح الإسلام» المرتبطة بتنظيم القاعدة في معركة (مخيم) نهر البارد، التي خاضتها الجماعة ضد الجيش اللبناني في العام 2007. وبعد سقوط المخيم، تمكن الماجد من الهرب والانتقال إلى مخيم عين الحلوة الفلسطيني، شرق صيدا. وبسبب تورط الماجد في هذه المعركة وانتمائه إلى جماعة فتح الإسلام، أصدر القضاء اللبناني في العام 2009 حكمًا غيابيًا بسجنه مدى الحياة. وبايعته كتائب عبد الله عزام الجهادية الاسلامية أميرًا عليها في حزيران 2012، ثم انتقل إلى سوريا في أواخر آذار 2013، ليبايع أمير جبهة النصرة أبو محمد الجولاني، ويصبح من كبار القياديين في تنظيم «القاعدة».

    وقد اعتقل الماجد على يد مخابرات الجيش اللبناني في بيروت بعد ان عاد لغرض العلاج (في 26 كانون الاول 2013)، إلا انه توفيّ في 4 كانون 2014 قبل الاستفادة من كنز المعلومات الذي كان بحوزته والذي كان جديرا بحل الكثير من الاحاجي. أكدت «كتائب عبد الله عزام» أن «مشروع زعيمها الراحل ماجد الماجد (الذي أشرف شخصياً على هجوم السفارة الإيرانية في بيروت) سيستمر في ضرب إيران وحزبها (حزب الله)».

    إنّ «حزب الله» هو المعني الاول بكل تفجيرات لبنان، من الضاحية الجنوبية مرورا بطرابلس فالهرمل، ففي الضاحية والهرمل، اسْتـُهْدِفَ جمهوره وقاعدته الشعبية، والسفارة الإيرانية التي تتولى كوادره حمايتها. كما أريد بتفجيريْ طرابلس ان يبدوا وكأنهما رد انتقامي على تفجيري الضاحية ليؤذنا باندلاع حرب مذهبية في لبنان يسعى الحزب لتجنبها بكل ما يملك من حكمة وصبر. أما التفجيرات اللاحقة فلا تحتاج إلى مفسّراتي كي يحللها ويُمَحّصها.

السيد حسن نصر الله: السعودية لا تملك جرأة الذهاب الى حرب،لكنها تخوض بالمال حروبا بالواسطة

   لم يتهم «حزب الله» دولة ما بالوقوف وراء تفجيريْ الضاحية، فقط اتـّهِمَت الجماعة التكفيرية بالوقوف وراءها. إلا ان الخطاب الإعلامي والرسمي للحزب، الذي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، تبدل تماما بعد «غزوة السفارة الإيرانية» التي اعتُبِرَتْ «رسالة مباشرة من السعودية لإيران»، وسُمّيَت الاشياء بمسمياتها دونما أية مواربة، وعلى لسان امينه العام السيد حسن نصر الله شخصيا، في 03 كانون الاول 2013، حيث قال ان: السعودية تعاطت مع إيران كعدو منذ 1979، وتفجير السفارة (الإيرانية في بيروت) له علاقة بهذا العداء، والذين نفذوا الاعتداء هم جماعة تحمل فكر تنظيم «القاعدة» تدار من قبل سعوديين لهم صلة بالمخابرات السعودية. فـ«القاعدة» أسستها المخابرات الأميركية والمخابرات السعودية والمخابرات الباكستانية، بعد ذلك «شي فلت من أيديهم وشي بقي تحت السيطرة».

    وكشف السيد حسن انّ «عددا كبيرا من التفجيرات التي تحصل في العراق تقف خلفها المخابرات السعودية، تمويلاً من المخابرات السعودية، تحضيرها وموادها وتحريكها والتحريض عليها وإدارتها من قبل المخابرات السعودية، لأنه يوجد هدف إسقاط الحكومة العراقية بأي ثمن، حتى لو أدى إلى ألف شهيد في كل شهر في العراق (وهو حاصل فعلا)، حتى لو أدى إلى حرب طائفية في العراق، حتى لو أدى إلى تحطيم أشلاء العراق، هذا قرار سعودي».

السيد حسن نصر الله: انا اعتقد ان عددا كبيرا من التفجيرات في العراق تحصل تحت إدارة المخابرات السعودية.

    لقد عرض السيد حسن بوضوح تام حال «الهلال الشيعي»، كما سمّى الجهة التي تقف وراء اعمال القتل، وهي السعودية، بصراحة لم يسبقه إليها سوى سوريا. وآذنت ببدء خطاب رسميّ وإعلاميّ جديديْن مع السعودية.  

الاثنين، 27 يناير 2014

السعودية وعرب «الهلال الشيعي»


تسخّر السعودية كلّ طاقاتها ومواردها للتنكيل بمواطني الهلال الشيعي العربي، الذي يضم شيعة العراق (65%) وسوريا (12%) ولبنان (32%).

لا يمكن التسليم بأنّ تنظيم «القاعدة»، على تعدد فروعه، هو المسؤول الحصري عن كل مشاهد الموت والدمار التي تخلفها الاعتداءات الانتحارية والعبوات الناسفة والسيارات المفخخة والجثث المفخخة والقتل المذهبي في العالمين الإسلامي والعربي، وبالذات في دول «الهلال الشيعي» العربية، العراق وسوريا ولبنان.

فليس من المنطقي ان تنظيما «نغْلا» ينكره حتى أبواه، (الصحراء والتشدد)،  ويلاحقه العالم كله قادر على إدارة جبهة عريضة تمتد من نيجيريا إلى فولغوغراد في روسيا، فـ«القاعدة» لم يعمل بمفرده يوما، فحيثما ينشط؛ فهو يحظى برعاية حانية من منظومتين مركزية ومحلية تتوليان التمويل والحضانة والدعم المستدام. ففي العراق مثلا؛ لدى «القاعدة» علاقات ممتازة مع الفصائل المسلحة التي تناصب الحكومة العراقية العداء، كـ«كتائب ثورة العشرين» و«الجيش الإسلامي» و«جيش المجاهدين» و«جيش الراشدين» و«أنصار السُنّة» و«جيش رجال الطريقة النقشبندية». وكذلك الحال في سوريا، حيث ينشط أكثر من مائة تنظيم وفصيل إسلامي مسلح يقاتلون كلهم الجيش العربي السوري.

وإذا ما حصل خلاف بين الفصائل الجهادية، فهو إما على الموارد أو النفوذ، أما الخصم، فهو ثابت لا يتغيّر. كما هو حاصل الآن في سوريا فـ«الجبهة الإسلامية»، و«جيش المجاهدين» و«جبهة ثوار سوريا» و«جبهة النصرة» يقاتلون تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، وهم كلـّهم معاً ضد الجيش العربي السوري.

وعادة ما تستلّ السعودية سيفها الذي لا يخذلها أبدا، ألا وهو المؤسسة الوهابية الغالية التي تجاهر بتكفير الشيعة وتستبيح دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وتجنيد المتطوعين لرفد ساحات «الجهاد» الممتدة، ثم توجيه اموال الزكاة والتبرعات نحو دعم الفصائل التكفيرية. أما النظام السعودي فيتكفّـل بتكاليف التأسيس والإدارة.

لذلك فالحديث عن ان النظام السعودي هو مؤسس «القاعدة» فحسب، هو ليس كل الحقيقة، بل هو راعي ومؤسس كلّ الفصائل التكفيرية المسلـّحة التي تشبه غيمة هارون الرشيد، فكل فعلها يصبُّ في صالح النظام السعودي، حتى لو تمردت عليه، كما حصل مع «القاعدة»، فلم يحدث ان تنكـّرَ تكفيري لأصله وتهادن مع أيّ من خصوم السعودية.

منذ ما يناهز الأحد عشر سنة في العراق، وقرابة الثلاثة اعوام في سوريا، لا يكاد يمر يوم واحد دون مصاب جلل يزهق ارواح ويكسر ظهور اناس ابرياء صادف وجودهم ساعة الواقعة.

أما لبنان الذي انضَمَّ حديثا لنادي ضحايا «القاعدة»؛ فالإرهاب يضرب فيه يمينا وشمالا سعيا لمزيد من العبث بالنسيج المجتمعي واسع الطيف. وبالنسبة لإيران الصعبة الاختراق أمنيا، فيـُنْتَقَمُ منها عبر استهداف مواطنيها القادمين الى العراق للعمل أو لزيارة العتبات المقدّسة، أو عند حدودها النائية مع باكستان عبر عمليات محدودة تنفذها تنظيمات تحصل على تمويلها من السعودية.

لا يقصد بهذه المقدمة الإيحاء بأن «القاعدة» يستهدف الشيعة فحسب، أو هم وحدهم الضحايا. فهذا ما لا يدور حتى في خلد قادة «القاعدة» انفسهم، فهم يختارون مواقع عملياتهم (في البلدان المذكورة) وفقا لـ«الجغرافيا المذهبية»، وإذا كان بين الضحايا مواطنون سُنّة؛ فـ«هؤلاء نحتسبهم شهداء عند ربهم».
لا يرى السيد حسن نصر الله ان المشكلة بين السعودية وإيران هي مشكلة مذهبية، فالأولى كان «لديها مشكلة مع جمال عبد الناصر، مع مصر، ولديها مشكلة مع اليمن، ولديها مشكلة مع سوريا، ولديها مشكلة مع كثير من الدول الموجودة في المنطقة، هذه الدول لم تكن لا جمهورية إسلامية ولا يحكمها الولي الفقيه ولا مذهبها شيعي، وإنما هي دول ـ مذهبياً ـ تصنف سُنـِّية، اليوم ما هي مشكلة السعودية مع حركة الإخوان المسلمين؟ ألا يوجد الآن حرب شعواء من قبل المملكة العربية السعودية على الإخوان المسلمين؟ بمعزل عن تقييم الإخوان المسلمين وأدائهم ومشروعهم. هل يوجد مشكلة مذهبية مع الإخوان المسلمين؟ كلا، الموضوع موضوع سياسي، السعودية هي تفترض نفسها قائد العالم العربي، وقائد العالم الاسلامي، ولا تقبل صديقاً، لا تقبل شريكاً، هي تريد من كل دول وحكومات العالم العربي والإسلامي بأن تكون تبعاً للمملكة العربية السعودية، أيضاً هذا مشكل حقيقي، وهذا سبب مشكلتها مع كثيرين، كثير من الدول والحكومات وحتى القوى السياسية في العالمين العربي والإسلامي، لذلك نحن لا نصنّف المشكل على أساس مذهبي وإنما على اساس سياسي».

أما لماذا تستهدف السعودية عرب «الهلال الشيعي»، فذلك لـ«تبعيتهم» لخصمها اللدود إيران، فالسعودية ،وفقا للصحفي السعودي مشاري الذايدي، «ضد نظام بشار الأسد لأنه هو نفسه وضع نظامه في خندق العداء للسعودية، والاستقرار العربي عبر الذوبان في المشروع الإيراني»، وضد «حزب الله» الذي يحارب بجنب الجيش العربي السوري، وضد العراق الذي يحابي إيران ويدعم النظام السوري.

ويؤكد الكاتب السعودي جمال خاشقجي ان السعودية ليست بوارد التخلـّي عن سوريا لإيران، «فإضافة إلى حق الشعب السوري في الحرية، فإن سورية امتداد طبيعي ومكمل للجزيرة العربية التي تمثل السعودية أهم مكون لها، ولو وقعت تحت نفوذ إيراني بعد انتصارها هناك، سيرقى ذلك إلى حالة «الانتداب» بوجود نظام ضعيف يدين ببقائه لإيران فيعترف بفضلها عليه وحمايتها له، وبالتالي ستكون «سورية الإيرانية» مهددة للأمن القومي العربي بكامله وليس للسعودية وحدها».

ويضيف خاشقجي ان «السعودية تعلم أنها ستتحمل وحدها المواجهة مع إيران في سورية، وستشاركها فيها قطر فقط»، بدون أميركا التي «تدفع لحل سلمي تتعاون المملكة (العربية السعودية) وإيران لفرضه على السوري». ويطالب الحكومة السعودية بألا تتفاوض مع إيران «قبل أن تحقق نصراً حقيقياً في سورية يعيد ترتيب الأوضاع لصالحها. فالمواجهة الكبرى بين «الشقيقتين» السعودية وإيران في ساحة «الشقيقة» سورية. بعدها، ستجلس "الشقيقتان" على طاولة المفاوضات والمنتصر منهما سيكتب شروط الصلح».

كما بيّنَ السفير السعودي في لندن محمد نواف عبد العزيز، في 17 كانون الاول 2013، في مقال نشر على صفحات جريدة «نيويورك تايمز» أن المملكة العربية السعودية ترى ان السياسات الغربية تجاه قضيّتي سوريا والنووي الإيراني تمثل خطرا جسيما على أمن المنطقة ومقامرة باستقرار الشرق الأوسط، مؤكدا عزم بلاده على المضي في مجابهة مثل تلك القضايا سواء بمشاركة أصدقائها الغربيين أو من دونهم.

وأكد السفير السعودي أن لدى بلاده مسؤوليات ضخمة تجاه المنطقة، باعتبارها مهد الإسلام وإحدى القوى السياسية الكبرى في المنطقة. وقال إن الدور السياسي والاقتصادي السعودي ذو طابع دولي أيضا، استنادا إلى دورها الواقعي كـ«بنك مركزي» للطاقة في العالم، لذلك «نجد أن لدينا مسؤولية إنسانية تحتم علينا العمل على إنهاء معاناة الشعب السوري بكل ما نملك». وخلص إلى القول إن بلاده ستعمل على النهوض بتلك المسؤوليات، بدعم شركائنا الغربيين أو بدونه، مؤكدا قوله: «سنستمر في إظهار إصرارنا من خلال دعمنا للجيش السوري الحر وللمعارضة السورية، رغم إصرار البعض على اتخاذ تنظيم «القاعدة» في سوريا حجة لرفع يده عن القضية، رغم أن تنظيم «القاعدة» بالأساس هو نتاج لفشل التدخل الغربي وحل الأزمة منذ البداية».

إنّ تصريح السفير محمد نواف ليس اول التصريحات السعودية التي تؤكد الانغماس السعودي في «الأزمة السورية»، لكن المهم فيه هو ان السعودية قد ستذهب بـ«الأزمة السورية» إلى النهاية، مهما تكبّد السوريون من تضحيات.

خاضَ آل سعود عدّة مواجهات مع القوميين والعلمانيين والشيوعيين والإخوان المسلمين، فرادى وجماعات، تكللت دائما بانتصارهم، بل إنهم تفوقوا على العقل والمنطق واحتجزوا وعي الشعب السعودي داخل انماط موغلة في التخلف والقِدَم بتبني السلفية والأصولية واستعباد المرأة عبر سلبها كافة حقوقها. وباتت أي محاولة سعودية للحاق بركب الحضارة البشرية بمثابة خروج عن الإسلام وبدعة توجب على مرتكبها طلب الغفران والتوبة.
الهلال الخصيب، مهد الحضارات، له ثغر على الخليج العربي، والبحر الأحمر (عبر خليج العقبة)،
 وساحل طويل على البحر المتوسط. مشكلته المزمنة الكبرى منذ اكثر من خمسة الاف سنة هي مجاورته للصحراء.
 [الصورة: موقع ويكيبيديا].

كل ما ابدعه النظام السعودي هو هذا المدّ التكفيري الجارف الذي يريد ان يستأصل الحياة من على وجه الارض، والذي لا يمتّ لروح العصر بشيء سوى بمهارته التي لا تضاهى في استخدام المتفجرات والسيف لترويع المدنيين.

أضحى روح «الهلال الخصيب» ومهد الحضارات، العراق وسوريا ولبنان، مقابر جماعية وحقول الغام، يحسب أناسها ألف حساب قبل ان يخطوا أية خطوة، وكل ذلك بفعل السعودية وفريقها المدهش الذي يقف له الشيطان وقفة إجلال وإكرام وإكبار التلميذ لأستاذه، على كم الشرّ الهائل والحقد الدامي اللذان جعلا بغداد والموصل ودمشق وحلب وبيروت وكأنهن قطع من جهنم.
الشيطان يقف مذهولا امام كم الدمار والقتل من جرّاء الاعتداءات الإرهابية. (بريشة الفنان السوري علي فرزات) 


ملاحظة: لمزيد من التفاصيل، اقترح قراءة المقالين التاليين:
  • السعودية وسوريا و«الثأر البايت» وأشياء أخرى.

  • الشرق الأوسط بين هلالين.

صدام حسين ومسعود برزاني .. من خلّف ما مات

المقدمة حين يدور حديث أو مقال يدور عن «أبو علي الشيباني» [ 1 ] عادة ما يبادر أحدهم بالاعتراض مستنكرا: ليش [= لماذا] لا تتحدث عن «أبو ثقب...