الثلاثاء، 6 أغسطس 2019

كمبريدج أنالتيكا في العراق

كمبريدج أنالتيكا في العراق


احمد هاشم الحبوبي

«كمبريدج أنالتيكا» شركة عالمية خاصة مقرها في لندن. أسسها الأمريكيان المحافظانِ ستيف بانون وروبرت ميرسر عام 2013 برأسمال لا يتجاوز خمس وعشرين مليون دولار أمريكي. ولها مكاتب في لندن ونيويورك وواشنطن العاصمة. مارست الشركة أدواراً مهمة في التأثير على آراء الناخبين من خلال استثمار قاعدة معلومات موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك». عمل ستيف بانون في حملة ترامب الانتخابية. وبعد فوز ترامب بالرئاسة عَيَّنَ بانون بمنصب كبير المستشارين الاستراتيجيين. ثم عاد الأخير واستقال من منصبه لاحقاً.

حصلت الشركة، على نحو غير مشروع (وهنا يجب وضع علامتيْ تعجب واستهجان)، على معلومات شخصية تخصّ ما يصل إلى 87 مليونا من مستخدمي فيسبوك أغلبهم في أمريكا. وقامت الشركة بتحليل تلك المعلومات بتقنية عالية لتستخدمها للتأثير على الناخب من خلال التلاعب بمخاوفه ونقاط ضعفه، عبر توليد ملايين رسائل الدعاية السياسية ذات الطابع الشخصي، لإقناع متلقيها بخيارات سياسية بعينها.

الشركة لم تبدأ نشاطها مع الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فقد أظهرت التحقيقات أن «كمبريدج أنالتيكا» شاركت في 44 سباق سياسي في أميركا والأرجنتين وجمهورية التشيك وكينيا والهند ونيجيريا واستراليا والمملكة المتحدة عبر التأثير على تصويت «بريكست» الخاص بانسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، والذي لولا الشركة لما ترجَّحَت كفّة الانسحاب. إنّ «كمبريدج أنالتيكا» ليست شركة ربحية تسعى لتعظيم مواردها من خلال تقديم خدمات قذرة، بل هي قوة كبيرة تعمل على تسويق وفرض واقع بعينه على حساب واقع آخر. إنها بكل بساطة تمسخ مفهوم الديمقراطية وتحيل الجماهير إلى قطعان يتم توجيهها حيث يرغب تحالف رأس المال والسلطة.

العراق مقبلٌ على انتخابات نيابية عجيبة، فبعد خمسة عشر عاماً من الفشل الذريع في الأداء الحكومي، ابتكرت الطبقة السياسية ستراتيجية التنافس الانشطاري فيما بينها للاستحواذ على مقاعد مجلس النوّاب وبالتالي استمرار الهيمنة على مستقبل العراق لأربع سنوات قادمة.

أقصد بـ«التنافس الانشطاري» انقسام الكتلة السياسية على نفسها والمشاركة بالانتخابات كمجموعتين متنافستين مع تأكيد مسبق على العودة للعمل سوية بعد الانتخابات، كما في حزب الدعوة الذي انقسم إلى مجموعتي «دولة القانون» و«تحالف النصر». إنّ الخلاف ليس على البرنامج بل على الزعامة فقط، ولأجل إبقاء الناخب ضمن مدار الكتلة (أو الحزب)، فيبقى صوته محتكراً. كذلك الحال في «المجلس الأعلى الإسلامي» الذي انشطر سابقاً الى «كتلة بدر» و«المجلس الأعلى»، لينشطر الأخير إلى «المجلس الأعلى» و«تيار الحكمة».

وقد حصل نفس الشيء في حزب «الاخوان المسلمون»، حيث توزع مرشحوه على عدة قوائم وتحت عناوين مختلفة لغرض إخفاء الهوية الاخوانية التي شابها الفشل حالها حال كل العناوين الإسلامية الأخرى.

الفريق الوحيد التي لم ينشطر ذاتياً هو «التيار الصدري»، إلاّ أنه اختار التحالف مع قوى اليسار ممثلة بالحزب الشيوعي العراقي ذو الصفحة البيضاء في الأداء سواء في الحكومة أو في مجلس النواب، رغم تواضع مشاركته. أما الأكراد فحالهم مضطرب ومشوّش بسبب تداعيات «استفتاء أيلول» الفاشل الذي أطاح بالحزب الديمقراطي الكردستاني من عليائه.

إنّ هذه الستراتيجية الموّحدة التي تتبعها أحزاب السلطة في العراق، ألا وهي ستراتيجية الانشطار الذاتي، ليست أمراً عشوائياً أو طبيعياً، فهذه الكتل والاحزاب لم تتفق يوماً فيما بينها إلا حين يتعلق الأمر بمصالحها الفردية. إنّ الاحزاب المتنافسة مقتنعة أن لا حزب قادر على أن يأكل من جرف الآخر، إضافة لحلف مقدسٍ بين الاخوة الأعداء على ابقاء الإسلاميين في السلطة مهما كلّف ذلك وبغَضِّ النظر عن الفائز منهم.

الظاهرة الثانية البارزة فهي انتشار دعوة «مقاطعة الانتخابات» في موقع «فيسبوك» بالتحديد، رغم أن جميع المتنافسين يناشدون الجماهير بالمشاركة الفاعلة بالانتخابات. لقد ترسخت فكرة «مقاطعة الانتخابات» وصارت خياراً شبه أكيد لدى قطاع عريض من الجماهير الغير مؤدلجة ومن الطبقة الوسطى. أما من هو صاحب هذه الدعوة ومن يسوّقها في «فيسبوك» فهو مجهول.

إنّ الإجابة على هذا السؤال يمكن أن نجدها لدى شركة «كمبريدج أنالتيكا» التي تعتمد ستراتيجية إطلاق عشرات ملايين التعليقات والصور والأفلام في صفحات الأشخاص المُسْتَهْدَفين للتأثير على قراراتهم. وهذا هو بالضبط ما يحصل منذ عدة أشهر. إنها عملية مخُطّطة ومحسوبة؛ ستنكفئ الجماهير المحايدة، فتخلو الساحة للمؤدجلين وسماسرة الأصوات، فالجمهور المؤدلج حسم أمره ويعرف بالضبط ما هو مطلوب.

إنّ سياسيي العراق لا يتورعون عن استخدام أي وسيلة لأجل البقاء في السلطة. وليس صعباً عليهم اللجوء لخدمات «كمبريدج أنالتيكا» أو لشركة شبيهة للتأثير على الجماهير. وستكشف الأيام هذا الأمر.

كثيرون في العراق يطلقون تسمية اللعبة على العملية السياسية. وهي كذلك فعلاً، في العراق وغيره. لقد حولت التكنولوجيا الرقمية العالمَ إلى قرية افتراضية صغيرة حتى صار بإمكان قرصان معلوماتي يجلس في نيويورك التحكم بشبكة كهرباء دبيْ، وشركة عظمى كـ«فيسبوك» تبيع (ببراءة وحسن نيّة!!) جزءاً يسيراً من معلوماتها لشركة أخرى، لتتمكن الأخيرة من التلاعب بمصائر شعوب وأمم. وإذا كان ممكناً تمرير هكذا ستراتيجية في أميركا والمملكة المتحدة، فكيف الحال في الدول التي تفتقر لأنظمة حمائية متطورة ترعى حقوق الفرد وتراقب أداء الاحزاب والحكومة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صدام حسين ومسعود برزاني .. من خلّف ما مات

المقدمة حين يدور حديث أو مقال يدور عن «أبو علي الشيباني» [ 1 ] عادة ما يبادر أحدهم بالاعتراض مستنكرا: ليش [= لماذا] لا تتحدث عن «أبو ثقب...