الثلاثاء، 23 يونيو 2020

رسالة السيستاني في 29/11/2019، خارطة طريق وتحذير

رسالة السيستاني في 29/11/2019، خارطة طريق وتحذير

منذ التاسع من نيسان 2003، والعراقيون في ضياع واضطراب وهرج ومرج. الرزايا الجسام تتوالى علينا فحسب. أعدّ العدوان الأمريكي – البريطاني شياطينه مسبقاً ونصبهم حكاماً مطلقين علينا. شيطانُ الكتب الدينية ليس كشياطين الاحتلال؛ فالأول مخلوقٌ فردٌ بقدرات اغواء جبارة يفسد البشر من ضعاف النفوس. أما «شياطين الاحتلال» فغيلان ماكرة فتاكة يتزايد عددها ويشتد عودها يوماً فآخر. تلقَّفَتْنا ببراثنها وأنيابها وعمِلَت فينا تقطيعاً وصارت تأكل في لحمنا ونحن أحياء، فصرنا نشهد موتنا.
انطلت علينا حيل «شياطين الاحتلال». انطلى علينا تنكرها بهيئة المعارض الوطني الذي أفنى عمره في مقارعة النظام الدكتاتوري الذي كان جاثماً على أنفاسنا والذي أدخلنا في حروب ومواجهات جلبت لنا العار والدمار وانكسار النفوس والمستقبل المظلم.  ولا أجدني مغالياً إذا ما عزوتُ العدوان الامبريالي الأمريكي – البريطاني الغاشم لحماقة وعنجهية النظام السابق.
لقد استحوذت «شياطين الاحتلال» على المشهد السياسي والاجتماعي وفقدت الجماهير الأمل بحياة أفضل. وقطعت صلتها بعصابة الأحزاب الحاكمة. كذلك فعل المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، حيث قاطع «شياطين الاحتلال» بعد أن يئس من إمكانية اصلاحهم.
رغم سعي السيستاني في النأي بنفسه والمرجعية عن المشهد السياسي العراقي، إلا إنه بسبب توالي الاهوال وانسداد الآفاق وضغط الشارع الذي لا يثق إلاّ به، يجد نفسه ملزماً بالتدخل عبر اقتراح الحلول، وفرضها أحياناً. فلا أحد غيره قادر على لجم «شياطين الاحتلال» وإجبارهم على الاستجابة لمطالب الجماهير. وهذا ما فعله في جمعة التاسع والعشرين من تشرين الثاني 2019.
لقد رسم السيستاني خارطة طريق واضحة جداً لمجلس النواب، طالباً منه إقالة الحكومة الراهنة (حكومة عادل عبد المهدي) بناء على المستجدات التي يشهدها الشارع. تلقف عبد المهدي الرسالة وأعلن استقالته بنفس اليوم. وتحولت حكومته لتصريف الأعمال. وسيضاف اسم عادل عبد المهدي لقائمة طويلة تضم أسماء الحكام الفاشلين الذي توالوا على حكم العراق.
كما طلب السيستاني من النواب الإسراع في «اقرار حزمة التشريعات الانتخابية (مفوضية الانتخابات وقانون الانتخابات) بما يكون مرضياً للشعب تمهيداً لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تعبر نتائجها بصدق عن إرادة الشعب العراقي». إنّ السيستاني على بيِّنةٍ تامة بأن السلطة التشريعية ومخرجاتها لا تحظى برضى الشعب.
وقد أكد السيستاني أن هذا المسار «هو المدخل المناسب لتجاوز الأزمة الراهنة بطريقة سلمية وحضارية تحت سقف الدستور» ـ وحذّر مجلسَ النواب من التسويف والمماطلة لأن «ذلك سيكلّف البلاد ثمناً باهضاً وسيندم عليه الجميع».
أما كيف سيندم الجميع، شعباً وحكومة، فبعودة «عصر الدكتاتورية المقيتة». لأن «الأعداء وأدواتهم يخططون لتحقيق أهدافهم الخبيثة من نشر الفوضى والخراب والانجرار الى الاقتتال الداخلي ومن ثَمّ إعادة البلد الى عصر الدكتاتورية المقيتة». لذلك «لا بد من أن يتعاون الجميع لتفويت الفرصة عليهم في ذلك».
إنّ السيستاني يحذر الجميع من انقلاب عسكري وشيك سيأتي على هامش الديمقراطية المتاح حالياً. لهذا تدخّلَ السيستاني وطالب، بالقلم العريض، باستقالة الحكومة وبانتخابات تشريعية مبكرة.
ينبغي الوقوف طويلاً عند هذا التحذير، فللسيستاني معطياته وهو لا يتكلم جزافاً. لذلك تراه أعاد التحذير من المتربصين الذين «يسعون لاستغلال الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح لتحقيق اهداف معينة تنال من المصالح العليا للشعب العراقي ولا تنسجم مع قيمه الاصيلة» [خطبة السادس من كانون الأول 2019]. ولتفويت الفرصة على المتربصين طالب السيستاني باختيار رئيس وزراء جديد «ضمن المدة الدستورية ووفقاً لما يتطلع اليه المواطنون بعيداً عن أي تدخل خارجي، علماً أن المرجعية الدينية ليست طرفاً في أي حديث بهذا الشأن ولا دور لها فيه بأيّ شكل من الاشكال» [خطبة السادس من كانون الأول 2019].
وفي نهاية رسالته ذكّر السيستاني الشعب العراقي بأن «المرجعية ستبقى سنداً له عبر النصح والإرشاد إلى ما ترى أنه في مصلحة الشعب، ويبقى للشعب أن يختار ما يرتئي انه الأصلح لحاضره ومستقبله بلا وصاية لأحد عليه». إن السيستاني يؤكد للجماهير بأنه قريب منهم ويشعر بمعاناتهم ويطمئنهم بنفس الوقت بأنه لن يفرض وصايته عليهم. ولمزيد من الوضوح أكد السيستاني أن المرجعية «لجميع العراقيين بلا اختلاف بين انتماءاتهم وتوجهاتهم، وتعمل على تأمين مصالحهم العامة ما وسعها ذلك، ولا ينبغي أن يستخدم عنوانها من قبل أي من المجاميع المشاركة في التظاهرات المطالبة بالإصلاح لئلا تحسب على جمعٍ دون جمع» [خطبة السادس من كانون الأول 2019].
ليس هناك قوة سياسية أو اجتماعية أو دينية قادرة على اقناع الجماهير وتحشيدهم خلف راية واحدة سوى السيد علي السيستاني. هذا اعتقاد سائد لا ينكره حتى اشد الداعين للفصل بين السلطة الدينية والسياسة. فالمشهد خاوٍ يفتقر لزعيم يمكن الوثوق به. لقد اثبت واقع الحال استحالة الانتقال المباشر من الدولة الدكتاتورية المطلقة إلى الدولة الديمقراطية. وذلك بسبب افتقارنا للبنى التحتية اللازمة لذلك.
إن انتفاضة تشرين الأول 2019 ليست الأولى، فقد سبقتها عدة انتفاضات. انبرى السيد مقتدى الصدر لقيادتها وتبني مطالبها. وقد رحبت الجماهير بذلك لأنها تنشد قائداً لحراكها، يوصل مطالبها، يفاوض باسمها ويوفر لها غطاء يحميها من فتك السلطة وتجاهلها لمطالب الجماهير. إلا أن كل ما يفعله السيد مقتدى الصدر هو تعزيز مكانته السياسية عبر الاستحواذ على المزيد من المناصب الحكومية العليا للاستحواذ على المزيد من الموارد ليئد الانتفاضة بعد ذلك عبر تفجيرها ذاتياً من الداخل.  فتكون الحصيلة «صفر اصلاح»، فلا خدمة تحسنت ولا عدالة اجتماعية تحققت.
فات الجماهير المنتفضة أنّ للتيار الصدري «شياطينه». وهو مهتم بتكثيرهم وتعزيز مواقعهم، وما عاد ممكناً للشعارات البراقة أن تخفي الفساد والعفن المتفشيين في قياداته.
إن الخذلان الذي قوبل به الثائرون لم يتمكن من إطفاء جذوة الثورة والرفض. وفي كل مرة يعودون أقوى وأكثر إصرارا حتى تحقيق المطالب المشروعة في العيش الكريم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صدام حسين ومسعود برزاني .. من خلّف ما مات

المقدمة حين يدور حديث أو مقال يدور عن «أبو علي الشيباني» [ 1 ] عادة ما يبادر أحدهم بالاعتراض مستنكرا: ليش [= لماذا] لا تتحدث عن «أبو ثقب...