الثلاثاء، 23 يونيو 2020

المخبر السري؛ رفيق حميم للحكم الجمهوري

المخبر السري؛ رفيق حميم للحكم الجمهوري
ظاهرة «المخبر السري» لها حضور في كل الأمم على مر الزمن. لكن للـ«المخبر السري» الأفّاك المختل الذمّة حضور فاعل يمتد على طول فترة الحكم الجمهوري في العراق، فالمواطن «متهم حتى تثبت براءته»، لذلك لا ترى السلطات المتوجسة الكسولة ضيراً في الإخباريات الكاذبة والملفقة والكيدية.
أثناء قراءتي لمذكرات السيد جعفر يحيى الحبوبي طاب ثراه، وهو جدي لأبي، قرأت حادثة تعرض لها جدي قبل ستين عاماً بسبب وشاية مخبر سري في بواكير العهد الجمهوري في العراق. ولن أفسد محتوى النص الذي كتبه جدي بيراعه، سأدعه يحدثنا مباشرة.
المسيب – يوم الإثنين في 30/آذار/1959
ستظلّ ذكرى هذه الليلة مريرة في قلبي وغصة في حلقي وأسف شديد لعقوق الإنسان. وسوف لا تنسى بسهولة ولن يقتصر أمرها عليّ وحدي، ولا مرارتها في صدري فقط، بل سيبقى أثرها مدى سنين أخرى في صدور أفراد عائلتي وربما ذوي قرباي أيضاً.
لقد كنتُ في مقهى جاسم بن عطية الواقعة في محلة البو حمدان منذ الغروب حتى منتصف الساعة العاشرة. وكان إلى جانبي ستة أو سبعة من المعلمين من جملتهم، مهدي بن حنتوش الحمداني وأشخاص آخرين منهم ديگان وسويدان. وعندما بارحت المقهى إلى البيت وجدتُ الأطفال على وشك أن يغلبهم النعاس وكأنهم ينتظرون وصولي لكي يأوي كل منهم إلى فراشه. وفعلا تسللوا إلى مخادعهم وقفلنا باب الدار ونام الأهل والأطفال واستلقيتُ على فراشي أتسلى (بقراءة) بكتاب مذكرات أغا خان حتى يتسرب النعاس إلى اجفاني فأنام. وحوالي منتصف الساعة الحادية عشرة رنّ جرس الباب الخارجي. ولم أكن أتوقع يحضر عندنا زائر في تلك الساعة، كما لم يكن أحداً من أبنائي خارج الدار حتى نتوقع عودته.
وحين نهضتُ لأعرف من الطارق، كنت لا أتوقع أي شيء إطلاقاً. وقبل أن أصل باب الدار ببضع ياردات، ناديتُ: "من الطارق؟"
فقال: "أنا". ولما لم يألف سمعي صوت المتكلم ولم أعرف من هو.
قلتُ "ومن أنت؟"، جاءني الجواب: "أنا مفوض الشرطة. افتح الباب". وفي هذه الأثناء سمعتُ لغطاً لأصوات أشخاص يزيدون عن ثلاثة أنفار.
ولم أشأ أن أسأل المفوض ماذا يريد. حاولت أن أعود للغرفة لأجلب المفاتيح لكي افتح الباب، فرأيتُ أنّ عودتي للغرفة وتفتيشي عن المفاتيح سيستغرق دقيقتين، والانتظار في مثل هذه الحالة يجعل من الدقيقة وقتاً طويلاً جدا، وربما يفسر ذلك في غير صالحي.
توقعتُ أن الشرطة الذين سأفتح لهم الباب سيطلبون مني مرافقتهم للاعتقال، ولم أتوقع انهم إنما حضروا للتحري فقط، فالظرف الدقيق الذي تجتازه البلاد بعد حركة (عبد الوهاب) الشواف الرعناء الفاشلة في الموصل وموقف (الرئيس المصري) جمال (عبد الناصر) العدائي من العراق وتهجم إذاعات القاهرة وصوت العرب ودمشق على الوضع في العراق، كل ذلك جعل حالة من التوتر بين الجمهوريتيْن مما قد فسح المجال لأهل الأغراض أن يتهم بعضهم البعض بأنه بعثي أو موال لجمال (عبد الناصر) أو متآمر. وموقف الحكومة في مثل هكذا ظرف دقيق لا بُدّ أن يكون متسماً بالحذر والحيطة الشديدين. وبما أني كثير الأصدقاء، فلا بُدّ وأن أكون كثير الأعداء. ولما كنتُ أعيش في وسط فقير وبين أناس يكاد يكونون معدمين، فإنّ مجرد ظهوري كامل اللباس تام الهندام يكفي أن ينظر إليّ من بعضهم بمنظار أسود.
تقدمتُ إلى الباب فوراً وفتحتُ مزلاجيْ شقها الأول وسحبتُ مصراعيْها بما أطيق من عنف وقوة، فانفرجت الباب على مصراعيها مصحوبة بصوت عنيف. فماذا رأيتُ؟
رأيتُ على باب الدار ثلاثة ضباط (جيش) ومفوض شرطة وحوالي خمسة أفراد شرطة وحوالي خمسة وعشرين جندياً وحوالي عشرات بل مئات من الشباب الذين تطوعوا للحراسة الليلية [= شباب المقاومة الشعبية (شيوعيون)].
بادرتُ هذا اللقاء الغريب بالمجاملة رغم ما أعتمل في صدري من مرارة وألم، فقلتُ أهلاً وسهلاً ومساء الخير، تفضلوا ادخلوا، فدخلوا. أنرتُ أضواء الدار ثم ذهبت لجلب المفاتيح كي أفتح الغرف، فلم أعثر عليها، فاضطررتُ أن أوقظ زوجتي طالباً المفاتيح، فقالت وهي مغمضة الأجفان: "ماذا تريد بالمفاتيح؟" فقلتُ: "جاءني ضيوف. أريد مفاتيح غرفة الاستقبال"، فأعطتني سلسلة المفاتيح وعادت إلى نومها دون أن تعلم من هم "الضيوف".
جئتُ بالمفاتيح وأعطيتها للضابط، ففتح غرفة الاستقبال ثم الغرفة الثانية التي فيها المكتبة، ثم أخذ مفتاح المكتبة وفتحها. وأنا ما زلتُ أجهل ماذا يريدون بالضبط وعن ماذا يبحثون.
لكني رأيتهم يتلاومون ويتهامسون مع شباب المقاومة (الشعبية) ويقول ضابط الاستخبارات الملازم الأول غازي لأحدهم: "أين هم؟". فيردّ الواشي: "أظنهم هربوا".
إن هذا الذي يقول "أظنهم هربوا" هو "عبد الأمير"، جابي المالية الذي سبق واقترض مني خمسة دنانير في شهري تشرين الأول 1958، مدعياً أنه يريد أن يسدد بها نقص أموال الجباية لئلا يفتضح أمره، ووعدني بإيفائها في نهاية الشهر، فساعدته (وأقرضته المبلغ). ولما لم يدفع لي بالموعد (المتفق عليه) أمهلته شهراً آخر ثم شهراً ثالثا ثم شهراً رابعاً. ولما رأيته محتالاً أفاكاً صارحته وضايقته حتى استوفيت المبلغ عندما كان يستلم راتبه من أمين الصندوق. والظاهر ان هذا الموتور قد لقي الوقت المناسب ليشفي غلّه.
أدركتُ أن أمْرَ حضورهم مدبرٌ ضدي من أعداء لي في المسيب. ولما لم يجدوا عندي ما توقعوا، اتصلوا تلفونياً بآمر الحامية (حامية المسيب) وقالوا: "لم نجد عنده أحد، ووجدناه نائماً وأطفاله نيام". فقال آمر الحامية: "إذن أكملوا التحري عسى أن تجدوا عنده مناشير أو كتب ممنوعة".
عندها أدركت أنهم إنما جاءوا لكي يعثروا على أشخاص مطلوبين لا بدّ وأن يكونوا ضد الجمهورية أو ضد حكامها.
قلت لهم: " أخبروني لعلي أساعدكم، أعلموني ماذا تريدون ومن تطلبون؟
فقالوا: "إنّ أهل المحلة أخبرونا بأنه عندك اجتماع سري مع ستة ضباط".
قلت لهم: "أين هم إذن؟ وماذا يعمل عندي الضباط وأنا رجل مدني لا أختلط بالضباط؟ ثم كيف يأمن الضباط مني إذا لم تكن لي بهم أية صلة؟
قالوا: " ألم يحضر عندك مساء اليوم أحد؟"
قلت: "كلاّ. لم يزرني أحد منذ أربعة أيام، لا صديق ولا ضيف. وهذه آثار غرفة الاستقبال تشهد على ما أقول". فأيقنوا.
بعد ذلك صعدت مجموعة منهم فوق سطح الدار لتفتيشه. كما فتشوا أوراقي وكتبي وحتى كتب الأطفال. وكان أحد الجنود يتأبط رشاشا مصوباً نحوي بخشونة وتحدٍ ظاهر طيلة المدة. وأنا كنت أنظر إليه بتحد ثم أقول في نفسي "اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون ماذا يفعلون".
أكمل المفتشون محضر الضبط ووقعناه، واتصل مفوض الشرطة هاتفياً بالحاكم، وإذا بفتاتين وعجوز من شابات الحراسة [= المقاومة الشعبية] يدخلن المنزل ويتوجهن مباشرة إلى مخادع النوم ويباشرن تفتيشاً دقيقاً يتجاوز القوانين، فالضباط قاموا بالتفتيش حسب السياقات المعروفة، وهؤلاء النساء ليس لهن حق التفتيش لأنهنً بلا صفة رسمية. وكان بإمكاني أن أحتج على ذلك لكني أحببت أن أفسح المجال للتحري الكامل لئلا يتسرب إلى أذهان العسكريين أني أعرقل واجبهم.
بعد انتهاء التفتيش خرج الجميع. واعتذر ضباط الاستخبارات بأعذب الألفاظ، مما كان له أحسن الأثر في نفسي إلى درجة أني انا اعتذرت لأني لم أقدم لهم الحلوى والفواكه والشاي، حسب مقتضيات الضيافة في شهر رمضان، فقد كانت ليلة العشرين منه.
المسيب في 31 مارت/1959
ذهبتُ صباحاً وواجهت الحكام (محكمة المسيب) ومعاون الشرطة والقائمقام، فاعتذروا كثيراً وتأسفوا غاية الأسف لما حدث أولاً ولوضاعة الناس الذين ينتهزون هذه الظروف الدقيقة وينفذوا أغراضهم الدنيئة. وقد أشار علي سعادة القائمقام أن أقدم شكوى للحاكم العسكري العام. كما أشار بإقامة دعوى على الفتاتين اللتين قامتا بالتحري غير القانوني. لكني آثرتُ أن اقابل آمر الحامية وبعدها أتخذ القرار النهائي.
واجهت آمر الحامية، فتلقاني بحفاوة وترحاب ثم اعتذر وتأسف وقال لي: " أنا (كنتُ) أعرف أن الإخبار كان كاذباً قبل أن يحضر الضباط والشرطة لتحري بيتك، فجميع الضباط كانوا في واجباتهم الرسمية ولم يغب منهم أحد، وهذا وحده يكذّب المخبرين (السريين)، ولكنّا يا سيد جعفر في ظروف دقيقة جدا وارجوك أن تتغافل عما حدث لأجل خاطري وسأعتبر هذا تضحية منك.
قلتُ: "أيها الآمر المحترم؛ أنا لا يضيرني أن يتحرى بيتي موظفون وضباط شرفاء، بل إن ذلك يعزز كياني كفرد محب متفان لجمهوريتي. لكن الذي كدّر خاطري هو أن أوضع موضع الريبة والشك اللذين استلزما ذلك. لذلك أريد أن أعرف اسم المخبر، فإن كان الإخبار من تسلسل مراجعكم في الاستخبارات، فلا ضير، أما إذا كان صادرا من شخص من سكان مدينة المسيب وبقصد النكاية، فأرجو أن ينال هذا المخبر الكاذب عقابه ليرتدع عن تكرار ذلك.
لم يشأ الآمر أن يتعمق معي في ذلك الموضوع وحاول أن يبلع ريقه متغافلاً عن الجواب. لكني أدركت أن الإخبار ورد من أولئك الشبان [= شبان المقاومة الشعبية] الذين تصوروا أن الوطنية وقفاً عليهم وأنهم هم وحدهم أبناء هذا الوطن وإنّ من يصفق معهم فهو الوطني وإنْ كان من الانتهازيين حتى لو كان من جواسيس بهجة العطية (مدير الأمن العام في العهد الملكي) ومن خدّام نوري السعيد.
وبقيتُ ممتلئاً غيضاً من ذلك المخبر الكاذب الدنيء. وكنت أظنه شخصا من الموتورين مني. ولكن من هو؟ وكيف حاك هذه الدسيسة؟ وماذا كان يقصد طالما يعلم أن الكذب عمره قصير وأن أمر التحري لا بد أن ينتهي عليه بالعار والاحتقار؟
من هو المخبر؟
أخيراً وفي صباح اليوم التالي علمت بالخبر تفصيلاً، وإذا بالمخبر إثنين وليس واحد. ولكن من هما؟
إنّ المخبريْن طفلان صغيران في العاشرة أو الحادية عشر من العمر من جيراننا. ربما أرادا أن يجربا مكانتهما في المجتمع، فذهبا إلى القسم الداخلي المجاور لدارنا وأخبرا الطلاب ومعلم القسم بأنهما شاهدا ستة ضباط يجتمعون سراً في داري للتآمر على عبد الكريم قاسم والقيام بانقلاب عسكري بالاتفاق معي.
لقد صدّق المعلم ذلك الخبر وأخذه دون تمحيص. وكان ما كان مما لست بحاجة لتفصيله.
سيد جعفر يحيى الحبوبي / نيسان 1959

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صدام حسين ومسعود برزاني .. من خلّف ما مات

المقدمة حين يدور حديث أو مقال يدور عن «أبو علي الشيباني» [ 1 ] عادة ما يبادر أحدهم بالاعتراض مستنكرا: ليش [= لماذا] لا تتحدث عن «أبو ثقب...