الأحد، 13 مايو 2012

نداء إلى جمهورية الصين الشعبية



صناعاة صينية رديئة" كتاب من تأليف بول ميدلر يتناول فيه رداءة التقليد وفنون التزييف، موضحا التاريخ الطويل للتزييف في الصين ومكانته العالية التي تجعله نوعا من أنواع الفنون حيث تفخر بعض الشركات الصينية بقدرتها على إنتاج منتجات تبدو تماما كما لو كانت من الدرجة الأولى على الرغم من أنها من الدرجة الثانية. ويؤكد مؤلف الكتاب أن الصناعة الرديئة ليست سمة لكل المنتجات الصينية. 


باتت عبارة "صُنِعَ في الصين" قدرٌ مُنزَّلٌ علينا، ولا أمل لنا بالخلاص من هذه الحقيقة. وهذا الكابوس تعاني منه كل شعوب المعمورة. الاّ انّ معاناتنا لها طعم مختلف كالعادة، فاغلب البضائع الداخلة إلى العراق تشترك برداءة النوعية وعدم ديمومتها. وهذا لا يعود إلى خلل في الصين، بل هو خلل في تجارنا اللذين يحرصون على جلب أرخص المنتجات لتحقيق هامش ربح مرتفع. ويؤكد العديد من المستوردين انّ المُصَنّعِينَ الصينيين جاهزون لصناعة البضاعة بمستويات مختلفة وفقا لإرادة التاجر ومشيئته. لأنهم حريصون على بيع بضاعتهم ليس الاّ، وليذهب التاجر ويسوّق بضاعته حيث يشاء.

   وكما نعرف جميعاً، فان أسواق الأرض ومتاجرها تغص بالبضائع الصينية الممتازة والراقية، الاّ العراق، فنحن حين نروم شراء سلعة ما ونكتشف انها مصنوعة في الصين، فإننا نتردد ألف مرة قبل ان نقدم على إتمام عملية الشراء. وقد انتبه تجارنا الكرام لذلك، فصاروا يبدلون دولة المنشأ ويضعون علامة تجارية مرموقة ليخدعوا المستهلك. امّا كيف يتم تجاوز الرقابة على هكذا غش مفضوح، فهذا أمر لا يستوجب الوقوف عنده كثيرا طالما انّ بواباتنا الحدودية مستباحة بسبب موظفين مرتشين لا يهتمون سوى بتعظيم مواردهم الغير شرعية. وهذا حولهم إلى مافيا تتحكم بحركة البضائع الداخلة إلى الوطن.

   ومن الطريف ان فكرة رداءة البضاعة الصينية قد توطنت فينا. حيث انها [الفكرة] تنتقل معنا حين ننتقل إلى دولة أخرى. فقد أصر ولدي على عدم شراء حذاء رياضة جميل بداعي منشأه الصيني. ولم تنفع توسلاتي معه الاّ بعد ان تعهدت له بأنني سأعطيه ضعف ثمنه إذا ظهر ان الحذاء رديء الصنع. وطبعا كان الحذاء عند حسن ظني وأبلى بلاءا حسنا، ولم نتخلص منه الاّ بعد ان مل منه ابني. 

   في دول العالم المتحضرة، تم تضمين حقوق المستهلك في قانون الدولة الرسمي، على سبيل المثال أقرت مملكة السويد، منذ زمن طويل، قانونا يحمي حقوق المستهلك وينظم العلاقة بينه وبين البائع. وتناول القانون أدق التفاصيل، حيث تم تحديد عمر السلعة الكهربائية بثلاثة أعوام على الأقل، يبقى البائع خلالها مسئولا عن صلاحية السلعة للاستعمال ومن خلوها من أي عيب تصنيعي، وبعكس ذلك، فهو ملزم بتصليحها مجانا أو يعوضها بواحدة جديدة أو إعادة مبلغها في حالة تعذر ذلك. وإضافة لذلك، هناك دائرة تدعى دائرة حماية المستهلك، معنية بمتابعة شكاوي المواطن وحمايته من أي استغلال أو تعسف قد يتعرض له. وتحظى الدائرة المذكورة بدعم قانوني وإداري كبيرين.

   ان الاقتداء بالتجارب الناضجة والمتكاملة ليس عيبا ولا أمرا صعب المنال، فليس من الضرورة ان نبدأ من الصفر في كل شيء، أو ان نقتدي بتجربة ركيكة بداعي انها قريبة إلى واقعنا.

   وهذا يوضح انّ تجارنا لم يُخْلَقُوا من طينة الشياطين، وتجار الدول الأخرى خلقوا من طينة الملائكة الصالحين، ولكنها مجموعة القيم والقوانين السائدة التي تنظم كافة العلاقات والحقوق والواجبات هي المسئولة عن صناعة الشياطين والملائكة في آن واحد.

   وقد اعتاد بعض تجارنا الكرام ان يُتـَوِجوا نجاحاتهم في الحياة بالتبرع لبناء جامع يُكـَفـّرونَ به عن شناعاتهم التي ارتكبوها خلال حياتهم العملية. ولا مانع لديهم إذا كان ذلك مدخلا لإثراء إضافي إذا تمكنوا من الحصول على تسهيلات استيرادية أو ضريبية. امّا من لم ترتقي أرباحه لبناء جامع، فيلجأ إلى الحج، ولا مانع لديه ان يرشي موظف في هيئة الحج لسلب حق مواطن آخر ينتظر دوره في قائمة الانتظار الطويلة. والتاجر الراشي لم يفعل شيئا جديدا يستحق ان يُدان عليه، لأنه اعتاد على تمشية أموره من خلال الرشوة، لهذا فهو لا يمانع في استعمالها في أي مفصل من مفاصل حياته.

  أود ان أؤكد ان توصيفاتي هذه لا تشمل سوى عينة محددة من التجار، وان لدينا تجار طيبون يخشون الله في تعاملاتهم. ولكنهم يفقدون مواقعهم في السوق يوما بعد يوم بسبب تركيز المُستهلك على ثمن السلعة كعنصر أساسي عند إجراء المفاضلة بين السلع المعروضة، وبسبب الغش التجاري الذي يمارسه المستوردون كما أوضحنا.

   ورغم وجود قانون يحمي حقوق المستهلك وتضمن تشكيل مجلس برئاسة موظف بدرجة وكيل وزير، الاّ انه عديم الفعالية، أسوة بكل القوانين والقرارات التي تتعلق بحقوق المواطن. ولا داعي ان أؤكد للقارئ العزيز ان المحاصصة قد أخِذَت بنظر الاعتبار عند تشكيل مجلس حماية المستهلك مما أصابها بالترهل والعجز عن تقديم خدمة ملموسة للمواطن.

   في الجلسة الثانية والعشرين من مجلس النواب، انتقد رئيس كتلة التحالف الوطني النائب إبراهيم الجعفري تحويل المحاصصة إلى سُنّة لا يجوز الخروج عنها، وقال انها [المحاصصة] "تـُحولنا إلى محامين غير شرعيين لقضية عادلة". ولكن، للأسف، هكذا تسير الأمور إلى يومنا هذا دون أي بارقة أمل بِطـَي هذه الصفحة المشينة.   

   تبعا لذلك، فإني أتوجه إلى حكومة الصين الشعبية عبر سفارتها في بغداد لتقوم مقام مؤسساتنا شبه المُعَطَّلة حاليا وتحمينا من المنتجات الصينية الرديئة رحمة بنا وحفاظا على سمعة الصين التجارية.

ولله في خلقه شؤون 

 مقال منشور في 15-01-2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صدام حسين ومسعود برزاني .. من خلّف ما مات

المقدمة حين يدور حديث أو مقال يدور عن «أبو علي الشيباني» [ 1 ] عادة ما يبادر أحدهم بالاعتراض مستنكرا: ليش [= لماذا] لا تتحدث عن «أبو ثقب...